العلامة المجلسي
460
بحار الأنوار
المنية ، فشرب كأسها ، وذاق بأسها ، وحططته من عالي حصونه ، ووثيق قلاعه وأخرجته من عامر دوره ومونق رباعه إلى القبور الملحودة ، والحفرة المخدودة فاضطجع فيها وحيدا ، وسال منه فيها صديدا ، وأطعم حريشات ( 1 ) ودودا ، وصار من ماله وجموعه بعيدا ، وفي ملاقاة المحاسبة فريدا ، لم ينفعه ما عدد ، ولم يخلده ما خلد ، ولم يتبعه إلا تبعات الحساب ، ولم يصحبه من أحوال دنياه إلا موجبات الثواب أو العذاب ، ثم أورثت ما حاز من الباطل ، وجمع وصد عن الحق من لم يشكره على ما صنع ، ولا دعا له ولا نفع ، شقي ذاك بجمعه ، وفاز هذا الوارث بنفعه قد رأى الغابر عاقبة من مضى فلا يرتدع ، وأبصر الباقي مصير من انقضى فلا ينزجر ولا ينقمع ، أما لهم أعين فتبصر ، أو قلوب فتتفكر ، أو عقول فتدبر ؟ كذبوا بي فصدقتهم سخطتي ، وناموا عن حقي فنبهتهم عقوبتي ، أد إليهم رسالتي ، وعرفهم نصيحتي ، وأكد عليهم حجتي ، وانهج لهم حد محجتي ، ثم كلهم إلى محاسبتي فوعزتي لا يتعداني ظالم ، ولا يخفق عندي مظلوم ، وسأقتص للكل من الكل وأنا الحكيم العدل . الصحيفة الثامنة صحيفة الحول ذل من ادعى الحول والقوة من دوني ، وزعم أنه يقدر على ما يريد ، لو كان دعواه حقا وقوله صدقا ، لتساوت الاقدام ، وتعادل في جميع الأمور الأنام فان الكل يطلب من الخير الغاية ، ويروم من السعادة النهاية ، فلو كانت تصاريف الأمور ، ومواقع المقدور ، على ما يرومون ، وموكلا من قواهم واستطاعاتهم إلى ما يقدرون ، والجماعة تطلب نهاية الخير ، وتتجنب أدنى مواقع الضير ، لما رؤي فقير ، ولا مسكين ضرير ، ولما احتاج أحد إلى أحد ، ولا افتقرت يد إلى يد ، وأنت الان ترى السيد والمسود ، والمجذوذ والمجدود ، والغني الخجل والفقير المدقع .
--> ( 1 ) الحريش : دويبة قدر الإصبع بأرجل كثيرة وهي المسماة : دخالة الاذن ، المعروفة عند العوام بأم أربع وأربعين .